أن تسكن حقيبة
وُلدتُ في شقّة في حيّ التضامن في دمشق، ومع أنّي قضيت فيها أعوامي الأربعة عشر الأولى إلا أننا لم نكن نشعر بالاستقرار، كنّا دومًا نفكّر في تركه، مرات نفكّر في بيت أوسع في حيّ غير عشوائي على الأقل، ومرّات نفكّر في أن يصبح بيتنا أو أن نستثمر في "أسطوحه"، ومرات نفكر في ضواحي دمشق، ومرّات في كندا!
وبما أنّنا من سكان دمشق ولسنا منها، كنا نسافر كلما سنحت لنا فرصة إلى سلمية، لزيارة أجدادي وأصدقاء أهلي، كان عندنا في تلك الفترة حقيبتين تتسّعان لما تحمله رحلة أسبوع بين الشام وسلمية، واحدة حمراء، وأخرى نسيت ما لونها، نضع بهما ملابس العائلة كلّها.
لم يكن شراء الحقائب أولوية، إلى أن جاء قرار السفر، ستكون أول رحلة من غير عودة، أو من غير عودة قريبة بتعبير أصحّ، ولأن تلك الكلمة ثقيلة على الحقيبتين، اتّجه والداي إلى "سوق الخجا"، السوق الذي أصبح متخصّصا في بيع حقائب السفر، التي ازداد عليها الطلب في تلك الفترة. اشتريا ست أو سبع حقائب بأحجام وتصاميم مختلفة. لم نملك مفتاح بيت نحمله معنا، لم نترك بيتا، لذا كان علينا أن نجعل الحقائب تتسع لكل ما نريد حمله معنا.
ودّعت أصدقائي، وبعد رؤية كل واحد أو واحدة منهم، كنت أضيف تذكارًا أو رسالة إلى حقيبة يدي، حتّى امتلأت هي الأخرى. حملتُ الحقيبة وتركت الأصدقاء بدموعهم يلوّحون للفان الذي نقلنا من صحنايا (ريف دمشق) إلى مطار بيروت، حيث دفعنا 150 دولارًا مقابل أوزان حقيبتنا الزائدة، وركبنا أول طائرة، قرأت فيها الرسائل، وبكيت حتى وصلنا.
قبل الاستقرار، تتكرّر مشاهد الوداع، تتغيّر الأماكن، وتبقى كلها بعيدة. لم نُفرِغ حقائبنا كلها في تركيا طوال فترة إقامتنا فيها، وقبل التوجّه إلى فرنسا، أعدنا ترتيبها.
أكثر ما تغيّر هو حقيبة يدي، أضيفُ إليها رسائل جديدة من أصدقاء جدد، أفرّق بينهم وبين أصدقائي القدامى هكذا : رفقات سورية ورفقات عينتاب. ومع الرسائل، حملت علمًا طلبته من عمي، فكلّما ابتعدت كلّما زادت حاجتي للتمسك بالوطن، أو بوطن.
طرنا مرة أخرى، وبكينا مرة أخرى.
في هذه الطائرة كنت أفكّر في الفرق بين المسافرين من مطار بيروت إلى مطار أضنة والمسافرين من مطار اسطنبول إلى مطار باريس، هُنا تحمل الطائرة مهاجرين يسافرون إلى أوطانهم متى سنحت لهم الفرصة، ويحملون معهم ما طاب لهم من طعام ويعودون من رحلاتهم مبتسمين.
وصلنا إلى فرنسا في التاسع من أيلول، استقبلنا مدير منظّمة تُعنى بشؤون "اللاجئين". استغرق حوالي العشرين دقيقة ليضع حقائبنا في سيارته، لم يبدُ عليه أي أثر للدهشة، لا بد أنه معتاد أكثر منّا على منظر الحقائب. وصلنا إلى مركز الاستقبال، أعلمونا أننا سنسكنه لفترة مؤقتة، ثم نقلونا إلى بيت مؤقت آخر، وبقيت حقائبنا مغلقة، نفتحها لنخرِج منها ما نحتاج إليه ونعيد إغلاقها استعدادًا لرحلة قادمة.
بعد ما يقارب السنة على وصولنا، السنة ونصف على رحيلنا الكبير، انتقلنا إلى بيتنا -غير المؤقت على الأغلب-. كان الوقت صيفًا، فوضعنا ملابسنا الشتوية بعيدًا عن متناولنا. وضعت تذكاراتي على الرفوف بعد أن فرشنا الغرفة، جمّعت الرسائل في علبة واحدة أعرف متى أعود إليها.
بدا على الحقائب تعب السفر ولم تعد صالحة للاستعمال، رميناها ورمينا معها ثقلها، تركناها تذهب بلا عودة، وادّعينا الاستقرار، عدنا لعادتنا القديمة، نعيشُ دون حقائب.
سافرت خلال إقامتي في أوروبا إلى مدن كثيرة ألتقي فيها بأصدقاء رُحّل، نتبادل أخبارنا ويعود بعد اللقاء كلّ واحد منا إلى مشاغله، ومع كل مرة أتأكد أنّي لا أعرف كيف أحزم أمتعة رحلة قصيرة.
مررت بمحطات قطارات في مدن كثيرة، أذهب بحقيبة منظّمة وأعود بحقيبة أُغلقت على عجل، وأفكّر في حقائب المسافرين الآخرين وأخترع لهم قصصًا، منهم من يضع حقائبه الكبيرة في مقدمة القطار ويذهب ليجلس خفيفًا، لا بد أن رحلته كانت مُتعِبة، ومنهم من يحمل حقيبة ظهر، سافر لقضاء عطلة نهاية الأسبوع لا أكثر، ومنهم من يسافر دون حقائب من الأصل، يا لحظّه، منهم من يحمل حقيبة من الطراز القديم لونها بني تُحمَل في اليد، لا بدّ أنها هدية جدته، ومنهم من يحمل حقيبة بلون غريب تمشي بسهولة لا يبدو عليها ثقل ما تحمله، أراقبها وأسأل إن كانت تعبّر حقائبنا عنا.
أردت أن أشارك خلال سنوات دراستي في برنامج تبادل طلابيّ، أقضي خلاله فترة فصل دراسي في بلد مختلف، إنها فرصتي، فمن الصعب على حامل وثيقة السفر المخصصة للاجئين أن يحصل على تأشيرة لمكان يريده ما لم يكن هناك سبب مقنع. اخترت تونس، حصلت على الموافقة على الدراسة وعلى الفيزا تباعًا، لكني ما زلت لا أملك حقيبة! بحثت في مواقع الشراء عن حقائب، ألوان وأحجام وأسعار مختلفة، اخترت حقيبتَي الجديدتين، وانتظرت وصولهما. أول مرة أختار الوجهة، وأول مرة أختار الحقيبة، والأهم ؛ أول مرة سأعود للمكان الذي غادرت منه!
وبما أني سأعود، فهذا يعني أني لن أضع كل ما أملك في الحقائب. كانت العملية أصعب من المتوقّع، عملية اختيار ما ستحمله الحقيبة، وفكرة السفر بتحرُّر من الأغراض والوزن فكرة مخيفة، كأني أعترف اليوم أن لي وطن خارج حقائبي، أو أن الوطن في ذاته يمكن أن يكون حيث تُفرَغ الحقائب.
